صناعة الفتوى (ح:02)

صناعة الفتوى (ح:03)
بقلم عضو المجلس: إبراهيم محمد الأمين (الكلّيّ).
في الحلقة السابقة تحدّثنا عن المرحلة الأولى من مراحل معالجة النوازل المتجدِّدة ، وهي مرحلة التشخيص الدَّقيق للمسألة المعروضة من حيث الواقعُ، وبيّنَّا أهمِّيّتَها في التأسيس للمرحلة الثانية:
المرحلة الثانية: وهي مرحلة المعالجة الفقهية لإصدار حكم شرعي
على الواقعة، وتبدأ بمحاولة التكييف الفقهي للمسألة أي وضعها في خانة معينة بلقب شرعي ، فالإيجار المنتهي بالتمليك ـ مثلا ـ هل هو بيع أو إيجار أو عقد متردد بينهما؟، والعمُلات المعاصرة هل هي عينٌ أو فلوسٌ أو عروضٌ؟.
وهذه المرحلة تتداخل مع مرحلة ثالثة:
المرحلة الثالثة: عمليّة تلمس الدليل
البحث عن الدّليل المناسب للجزئية أو المسألة محلّ البحث نصّا أو ظاهرا أو مفهوما أو إشارة أو إيماء.. إلخ، ثمّ البحث عن معارض ما يقتضيه ذلك الدّليل إن كان، وقد ذكر الغزاليُّ في المنخول منهجَ النّظَر في البحث عن دليل النازلة عند الشافعيّ، فقال: “إذا رُفعت إليه (المجتهد) واقعةٌ فليَعرضها على نصوص الكتاب، فإن أعوزَهُ، فعلى الأخبار المتواترة فإن أعوزه إذا فعلى الآحاد فإن أعوزه، لم يخُض في القياس، بل يلتفت إلى ظاهر القرآن، فإن وَجد ظاهرا نظر في المخصِّصات من قياس وخبر، فإن لم يجد مخصِّصا حَكَم به، وإن لم يعثُرْ على لفظ من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب، فإن وجدها مُجمَعًا عليها اتَّبعَ الإجماعَ، وإن لم يجدْ إجماعا خاض في القياس، ويلاحظ القواعد الكليَّةَ أوَّلا، ويقدِّمُها على الجزئيات كما في القتل بالمثقَّل يُقدِّم قاعدة الرَّدْع على مراعاة الآلة، فإن عَدِم قاعدةً كُلِّيَّةً نظر في النصوص ومواقع الإجماع، فإن وجدَها في معنًى واحدٍ ألْحقَ به وإلّا انحدر إلى قياس مَخِيلٍ، فإن أعْوزَهُ تمسَّكَ بالشبه، ولا يُعَوَّلُ على طردٍ إن كان يؤمن بالله العزيز ويعرف مآخذ الشرع” [المنخول: ص: 575 – 756].
فإن تعذر على الباحث أن يجد بخصوص نازلته نصا أو إجماعا على نحو ما سلف، أو قولا لأحد الأئمة المقتدى بهم فإنه يلجأ إلى القياس والتفتيش عن الأشباه والنظائر ليتمكَّنَ من قياسها على نظائرها إن توفَّرَتْ شروط القياس من قيام أصل منصوص عليه أو مجمع عليه مع وجود علة جامعة بين الفرع والأصل ثابتة بطريق معتبر ، سالمة من القوادح مع شروطها من انضباط وظهور، ويتجنّب ما لا أثر له في الحكم من الأوصاف إن كان مؤمنا كما قال أبو حامد.
فإن لم يمكن القياس وتعذرت الأشباه والنظائر، فليلجأ الباحث إلى الأصول الأخرى كالذرائع والمصالح … وهذه الأخيرة هي “أهم دليل يعتمد عليه في معركة التحليل والتحريم حيث يلتقي الفقيه في المناسبة التي معناها أن يحصل على ترتيب الحكم على الوصف مصلحة من نوع المصالح التي يهتم الشارع بجلبها أو درأ مفسدة من نوع المفاسد التي يهتم الشارع بدرئها” بشرط أن تكون هذه المصلحة محققة لمقصد شرعي وأن تكون غير ملغاة …الخ بأن تتوافر فيها ضوابط اعتبار المصلحة الشرعيّة.

يتبعُ بحول الله..

زر الذهاب إلى الأعلى